أصبح التشهير الإلكتروني من أكثر القضايا انتشارًا مع توسع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، إنستجرام، تيك توك، واتساب، إكس، ويوتيوب. فقد يتعرض الشخص أو الشركة لمنشورات مسيئة، تعليقات جارحة، اتهامات كاذبة، صور مفبركة، تقييمات انتقامية، أو حملات تشويه ممنهجة تستهدف السمعة الشخصية أو المهنية أو التجارية.
والتعامل مع هذه الوقائع لا يجب أن يكون عشوائيًا؛ لأن حذف المحتوى أو الرد على المسيء بنفس الطريقة قد يضعف الموقف القانوني. الأفضل هو توثيق الواقعة، تحديد الحساب أو الرابط، ثم اتخاذ الإجراء القانوني المناسب من خلال محامي جرائم إلكترونية متخصص في قضايا السب والقذف عبر السوشيال ميديا.
ما الفرق بين التشهير والسب والقذف؟
من المهم فهم الفرق بين هذه المصطلحات قبل اتخاذ الإجراء القانوني.
القذف يتحقق عندما ينسب شخص إلى آخر واقعة محددة، لو كانت صحيحة لأوجبت عقابه أو احتقاره بين الناس. وقد عرّفت المادة 302 من قانون العقوبات القذف بأنه إسناد أمور للغير، لو كانت صادقة لأوجبت عقابه أو احتقاره عند أهل وطنه، وذلك بإحدى طرق العلانية المبينة بالقانون.
أما السب فهو لا يتضمن بالضرورة واقعة محددة، لكنه يشمل ألفاظًا أو عبارات أو إشارات تخدش الشرف أو الاعتبار. وتنص المادة 306 من قانون العقوبات على أن كل سب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة، لكنه يتضمن خدشًا للشرف أو الاعتبار، يعاقب بالغرامة في الأحوال المبينة بالمادة 171.
أما التشهير الإلكتروني فهو غالبًا الوصف العملي للضرر الناتج عن نشر إساءة أو اتهام أو محتوى مهين أو مضلل على الإنترنت، وقد يدخل قانونيًا تحت وصف السب أو القذف أو انتهاك الخصوصية أو إساءة استخدام وسائل الاتصالات أو جرائم تقنية المعلومات، بحسب طبيعة الواقعة والدليل المتاح.
التشهير الإلكتروني ضد الأفراد والشركات
لا يقتصر التشهير الإلكتروني على الأشخاص الطبيعيين فقط، فقد تقع الإساءة ضد شركة أو عيادة أو مكتب أو علامة تجارية أو نشاط تجاري، مثل نشر اتهامات كاذبة، أو تقييمات مضللة، أو حملات منظمة للإضرار بالسمعة التجارية.
في هذه الحالات، لا يكون الهدف فقط توقيع العقوبة الجنائية على مرتكب الواقعة، بل قد يكون من المهم أيضًا إثبات الضرر والمطالبة بالتعويض، خاصة إذا أدى المحتوى المسيء إلى فقدان عملاء، تشويه السمعة، التأثير على الثقة، أو الإضرار بالمركز المهني أو التجاري.
السب والقذف عبر السوشيال ميديا
السب والقذف عبر السوشيال ميديا يختلف عن الخلافات العادية، لأن النشر على الإنترنت يترك أثرًا رقميًا يمكن تتبعه وفحصه فنيًا. وقد تكون الواقعة في شكل منشور عام، تعليق، رسالة خاصة، فيديو، بث مباشر، صورة، قصة مؤقتة، أو تقييم على صفحة تجارية.
وتنص المادة 303 من قانون العقوبات على عقوبة القذف بالغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه، وتشتد الغرامة إذا وقع القذف في حق موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بسبب أداء وظيفته أو خدمته.
كما تنص المادة 308 من قانون العقوبات على تشديد العقوبة إذا تضمن العيب أو الإهانة أو القذف أو السب طعنًا في عرض الأفراد أو خدشًا لسمعة العائلات، بحيث تكون العقوبة الحبس والغرامة معًا في الحدود المبينة بالقانون.
متى تطبق جرائم تقنية المعلومات على التشهير الإلكتروني؟
في كثير من الوقائع، لا نكتفي بقانون العقوبات فقط، لأن النشر أو الإساءة تمت عبر الإنترنت أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات. هنا قد تطبق نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.
فالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تعاقب على انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو نشر معلومات أو أخبار أو صور عبر الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، متى كان ذلك ينتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.
وتزداد خطورة الأمر في الحالات التي يتم فيها استخدام برامج أو تقنيات لمعالجة بيانات شخصية أو تركيب صور أو ربط بيانات شخص بمحتوى مسيء. فالمادة 26 من ذات القانون تعاقب على تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو لإظهارها بطريقة تمس اعتباره أو شرفه.
كما قد تطبق المادة 27 إذا تم إنشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا.
إثبات الضرر الإلكتروني
إثبات التشهير الإلكتروني لا يقوم فقط على وجود “سكرين شوت”. لقطة الشاشة قد تساعد، لكنها ليست دائمًا كافية وحدها، خصوصًا إذا أنكر المتهم الحساب أو حذف المنشور أو ادعى أن الصورة مفبركة.
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات عرّف الدليل الرقمي بأنه معلومات إلكترونية لها قوة أو قيمة ثبوتية، مخزنة أو منقولة أو مستخرجة من أجهزة الحاسب أو الشبكات المعلوماتية، ويمكن تجميعها وتحليلها باستخدام أدوات أو برامج أو تطبيقات تكنولوجية خاصة.
كما قرر القانون أن الأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو الوسائط أو النظم المعلوماتية تكون لها قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائي، متى توافرت بها الشروط الفنية الواردة باللائحة التنفيذية.
لذلك، في قضايا التشهير والسب والقذف الإلكتروني، يجب حفظ الأدلة بشكل صحيح، مثل رابط المنشور، اسم الحساب، رابط الصفحة، تاريخ النشر، التعليقات، الرسائل، الصور، الفيديوهات، وأي بيانات تساعد في تتبع مصدر الإساءة.
كيف تتم ملاحقة المحتوى المسيء قانونيًا؟
تبدأ ملاحقة المحتوى المسيء بتوثيق الواقعة، ثم تحديد الوصف القانوني الصحيح: هل الواقعة سب؟ قذف؟ انتهاك خصوصية؟ استخدام بيانات شخصية؟ انتحال؟ إساءة استخدام حساب؟ أم حملة تشهير منظمة؟
بعد ذلك يتم تجهيز بلاغ أو محضر مدعم بالأدلة الرقمية، مع طلب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لفحص الحساب أو الرابط أو الرقم أو مصدر النشر. ويجوز لجهة التحقيق، متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة، أن تصدر أمرًا بضبط أو جمع أو التحفظ على البيانات والمعلومات أو أنظمة المعلومات أو تتبعها، وكذلك إلزام مقدم الخدمة بتسليم ما لديه من بيانات أو معلومات مرتبطة بالنظام أو المستخدم أو حركة الاتصالات.
وفي بعض الحالات، قد تكون الواقعة مرتبطة أيضًا بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات. فالمادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات تعاقب كل من تعمد إزعاج أو مضايقة غيره بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، مع عدم الإخلال بالحق في التعويض المناسب.
أخطاء يجب تجنبها عند التعرض للتشهير الإلكتروني
لا تحذف الرسائل أو المنشورات قبل توثيقها، ولا ترد على المسيء بألفاظ مشابهة، ولا تنشر بياناته الشخصية على الإنترنت، ولا تعتمد على منشور توضيحي فقط باعتباره حلًا قانونيًا. هذه التصرفات قد تعقد موقفك أو تفتح عليك اتهامات مقابلة.
الأفضل هو التحرك بهدوء، وتجهيز الأدلة، واستشارة محامي قضايا إلكترونية قبل تقديم البلاغ، لأن الصياغة القانونية للواقعة قد تفرق بين بلاغ ضعيف وبلاغ واضح يحدد الجريمة ووسيلة ارتكابها والدليل عليها.
دور علي القاضي - المحامي
أنا علي القاضي - المحامي، متخصص في الجرائم الإلكترونية وقضايا التشهير الإلكتروني والسب والقذف عبر السوشيال ميديا وقضايا الابتزاز الإلكتروني.
أساعد الأفراد والشركات في التعامل القانوني مع المحتوى المسيء، من خلال دراسة الواقعة، تحديد النص القانوني المناسب، تجهيز الأدلة الرقمية، صياغة البلاغ أو الشكوى، متابعة الإجراءات أمام الجهات المختصة، والمطالبة بالتعويض متى توافرت عناصر الضرر.
إذا تعرضت للتشهير أو السب أو القذف على الإنترنت، فالتحرك السريع والمنظم قد يكون هو الفارق بين حفظ حقك وضياع الدليل.
هل تواجه موقفًا مشابهًا؟
تواصل معنا لتقييم حالتك واختيار الإجراء القانوني المناسب من البداية.