الدفع بعدم دستورية المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في مصر
أثارت المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 جدلًا قانونيًا واسعًا، خاصة في القضايا المرتبطة بنشر المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، تيك توك، إنستجرام، يوتيوب، وغيرها من المنصات الرقمية.
ويرجع سبب هذا الجدل إلى أن المادة لا تعاقب فقط على انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو نشر صور ومعلومات دون رضا صاحبها، بل تتضمن أيضًا عبارة واسعة وهي: “الاعتداء على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري”.
هذه العبارة تحديدًا فتحت بابًا واسعًا للنقاش القانوني حول مدى وضوح النص، وحدود التجريم، ومدى توافقه مع الدستور المصري، خصوصًا في ضوء مبدأ مهم جدًا وهو: لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون واضح ومحدد.
ما هي المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات؟
تنص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل من يرتكب أحد الأفعال الآتية:
- الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري.
- انتهاك حرمة الحياة الخاصة.
- إرسال رسائل إلكترونية كثيرة لشخص معين دون موافقته.
- منح بيانات شخصية إلى موقع أو نظام إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقة صاحب البيانات.
- نشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة.
بمعنى عملي، المادة تهدف في ظاهرها إلى حماية الحياة الخاصة والبيانات الشخصية ومنع استخدام الإنترنت في انتهاك خصوصية الأفراد. لكن المشكلة تظهر عند تطبيق عبارة “القيم الأسرية” على محتوى عام أو ترفيهي أو رأي منشور على الإنترنت.
ما المقصود بالاعتداء على القيم الأسرية؟
هنا تظهر الإشكالية الأساسية.
القانون لم يضع تعريفًا واضحًا لعبارة “المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري”، ولم يحدد ما هي الأفعال التي تعتبر اعتداءً عليها بشكل دقيق.
هل المقصود نشر صور خاصة دون إذن؟
هل المقصود محتوى خادش للحياء؟
هل المقصود ألفاظ معينة؟
هل المقصود طريقة الظهور أو اللبس أو الرقص أو المزاح أو المحتوى الترفيهي؟
هل يختلف التقييم حسب وجهة نظر القائم على تطبيق القانون؟
غياب التعريف الدقيق يجعل النص قابلًا للتفسير الواسع، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف التطبيق من قضية لأخرى، ومن واقعة لأخرى، بحسب تقدير جهة التحقيق أو المحكمة لطبيعة المحتوى.
لماذا يثار الدفع بعدم دستورية المادة 25؟
الدفع بعدم الدستورية لا يعني أن المتهم يطلب من محكمة الجنح أو المحكمة الاقتصادية أن تلغي النص بنفسها، لأن إلغاء النصوص القانونية من اختصاص المحكمة الدستورية العليا.
لكن الدفاع يستطيع أن يدفع أمام المحكمة بأن النص المطبق على الواقعة توجد به شبهة عدم دستورية، فإذا رأت المحكمة أن الدفع جدي، تؤجل الدعوى وتصرح للمتهم بإقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا خلال الميعاد القانوني.
ويثور الدفع بعدم دستورية المادة 25 غالبًا بسبب غموض عبارة “القيم الأسرية”، وعدم تحديد أركان الجريمة بشكل منضبط.
علاقة المادة 25 بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات
المادة 95 من الدستور المصري تقرر قاعدة أساسية:
لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون.
لكن المقصود ليس مجرد وجود نص قانوني يعاقب على فعل معين، بل يجب أن يكون هذا النص واضحًا ومحددًا، بحيث يعرف الشخص العادي ما هو الفعل الممنوع قبل أن يرتكبه.
فالنص الجنائي يجب ألا يكون غامضًا أو فضفاضًا، لأن العقوبة تمس حرية الإنسان وسمعته ومركزه القانوني. لذلك لا يجوز أن تكون الجريمة مبنية على عبارات عامة تحتمل أكثر من معنى.
وعندما يستخدم القانون عبارة مثل “الاعتداء على القيم الأسرية” دون تعريف محدد، يصبح السؤال المهم:
كيف يعرف الشخص مسبقًا أن المحتوى الذي ينشره سيُعتبر اعتداءً على هذه القيم؟
هل غموض النص قد يؤثر على حق الدفاع؟
نعم.
إذا كانت الجريمة غير واضحة، يصبح من الصعب على المتهم أن يدافع عن نفسه بشكل كامل، لأنه لا يعرف بدقة ما هو الفعل المؤثم المنسوب إليه.
هل الاتهام بسبب الصورة؟
أم طريقة الكلام؟
أم مضمون الفيديو؟
أم عدد المتابعين؟
أم طبيعة المنصة؟
أم تفسير معين لفكرة “القيم الأسرية”؟
هذا الغموض قد يؤثر على حق المتهم في محاكمة عادلة، لأن الدفاع يحتاج إلى اتهام واضح، وأركان محددة، وفعل مادي يمكن مناقشته وإثباته أو نفيه.
علاقة المادة 25 بافتراض البراءة
المادة 96 من الدستور المصري تنص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له ضمانات الدفاع.
لكن النص الغامض قد يؤدي عمليًا إلى إضعاف قرينة البراءة، لأن الاتهام لا يكون مبنيًا على فعل محدد بدقة، بل على تقييم عام للمحتوى.
وفي القضايا الإلكترونية، يجب أن يكون الاتهام مبنيًا على دليل رقمي واضح، ورابط محدد، ومحتوى معين، وبيان دقيق للفعل الذي يشكل الجريمة، وليس مجرد انطباع عام بأن المحتوى “غير مناسب” أو “مخالف للقيم”.
الفرق بين انتهاك الخصوصية والاعتداء على القيم الأسرية
من المهم التفرقة بين أمرين:
أولًا: انتهاك الخصوصية
وهذا يكون أوضح قانونيًا، مثل نشر صور شخص دون إذنه، أو تسريب محادثاته، أو استخدام بياناته الشخصية، أو إرسال رسائل مزعجة له دون موافقته.
ثانيًا: الاعتداء على القيم الأسرية
وهنا تظهر المشكلة؛ لأن العبارة لا تتعلق دائمًا بشخص محدد أو خصوصية محددة، وقد يتم استخدامها في تقييم محتوى عام منشور للجمهور.
لذلك، من الأفضل قانونيًا أن يتم تفسير المادة 25 في إطارها الطبيعي، وهو حماية حرمة الحياة الخاصة والخصوصية الرقمية، وليس توسيعها لتصبح أداة لملاحقة كل محتوى محل خلاف اجتماعي أو أخلاقي.
هل كل محتوى مخالف للذوق العام يعتبر جريمة إلكترونية؟
ليس بالضرورة.
ليس كل محتوى يراه البعض غير مناسب يصبح تلقائيًا جريمة. القانون الجنائي لا يعاقب على مجرد الاختلاف في الذوق أو الأسلوب أو طريقة التعبير، إلا إذا توافر نص واضح يجرّم الفعل، وتوافرت أركان الجريمة، وثبت القصد الجنائي، ووجد دليل قانوني صحيح.
لذلك، عند نظر قضايا المحتوى المنشور على الإنترنت، يجب التفرقة بين:
- حرية التعبير.
- المحتوى الترفيهي.
- انتهاك الخصوصية.
- السب والقذف.
- التشهير.
- خدش الحياء العام.
- نشر صور أو معلومات دون موافقة.
- استخدام الحسابات في الابتزاز أو النصب أو التهديد.
كل وصف من هذه الأوصاف له شروط وأركان مختلفة، ولا يصح الخلط بينها لمجرد أن الواقعة حدثت على الإنترنت.
أهمية المحامي في قضايا المادة 25
قضايا المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تحتاج إلى محامٍ يفهم طبيعة القانون الجنائي والدليل الرقمي وحرية التعبير في الوقت نفسه.
دور المحامي هنا لا يقتصر على حضور الجلسات، بل يشمل:
- دراسة المحتوى محل الاتهام.
- تحديد ما إذا كانت الواقعة تمس الخصوصية أم مجرد محتوى عام.
- فحص القيد والوصف.
- مراجعة الدليل الرقمي.
- الدفع بانتفاء أركان الجريمة عند توافر سببه.
- الدفع بعدم وضوح الاتهام إذا كان مبنيًا على عبارات عامة.
- الدفع بعدم دستورية النص إذا كانت هناك شبهة جدية.
- طلب التصريح بإقامة الدعوى الدستورية عند توافر شروطها.
- التفرقة بين الجريمة الإلكترونية وبين الخلاف الأخلاقي أو الاجتماعي حول المحتوى.
متى يمكن الدفع بعدم دستورية المادة 25؟
يمكن إثارة الدفع بعدم الدستورية إذا كان النص القانوني محل التطبيق لازمًا للفصل في الدعوى، وكانت هناك شبهة جدية في مخالفته للدستور.
وفي حالة المادة 25، قد يقوم الدفع على أن عبارة “الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية” عبارة غير منضبطة، ولا تكشف بوضوح عن الفعل المجرّم، مما قد يخالف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويؤثر على حق المتهم في الدفاع وافتراض البراءة.
لكن قبول الدفع أو التصريح بإقامة الدعوى الدستورية يظل أمرًا تقدره المحكمة بحسب ظروف كل قضية.
ماذا تفعل إذا كنت متهمًا في قضية نشر محتوى إلكتروني؟
إذا كنت متهمًا بسبب محتوى منشور على الإنترنت، لا تتعامل مع الأمر باعتباره مجرد مشكلة بسيطة أو سوء فهم. قضايا المحتوى الرقمي قد يترتب عليها حبس وغرامات وإجراءات جنائية مؤثرة.
الأفضل أن تقوم بالآتي:
- لا تحذف المحتوى قبل استشارة محامٍ، لأن الحذف قد لا يمنع المساءلة وقد يؤثر على طريقة الدفاع.
- احتفظ بنسخة كاملة من المحتوى محل الاتهام.
- احفظ رابط الحساب أو الصفحة أو الفيديو.
- جهز سياق النشر: متى نُشر؟ ولماذا؟ ولمن كان موجهًا؟
- لا تنشر تعليقات أو ردود قد تُستخدم ضدك لاحقًا.
- استعن بمحامي جرائم إلكترونية لفحص القيد والوصف والأدلة.
- لا تعتمد على تفسير عام للواقعة، لأن الوصف القانوني هو الأساس.
دور علي القاضي - المحامي في قضايا الجرائم الإلكترونية والمحتوى الرقمي
يساعد علي القاضي - المحامي، بصفته محامي متخصص في قضايا الجرائم الإلكترونية والابتزاز الإلكتروني وقضايا المحتوى الرقمي، في فحص الاتهامات المرتبطة بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وخاصة القضايا المتعلقة بالمادة 25.
وتشمل الخدمة القانونية:
- دراسة القيد والوصف القانوني.
- فحص المحتوى محل الاتهام.
- مراجعة الدليل الرقمي.
- تحديد أوجه الدفاع المناسبة.
- الدفع بانتفاء أركان الجريمة عند توافر سببه.
- إعداد المذكرات القانونية.
- الدفع بعدم الدستورية عند وجود شبهة جدية.
- متابعة القضايا أمام المحاكم الاقتصادية والجهات المختصة.
في قضايا الإنترنت، الخطأ في توصيف الواقعة قد يغير مسار القضية بالكامل. لذلك، يجب التعامل مع اتهامات نشر المحتوى أو الاعتداء على القيم الأسرية بجدية ومن خلال دفاع قانوني منظم.
خلاصة
المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وُضعت في الأساس ضمن الجرائم المتعلقة بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع.
لكن استخدام عبارة “الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري” دون تعريف واضح أثار جدلًا دستوريًا وقانونيًا مهمًا، لأن النصوص الجنائية يجب أن تكون دقيقة ومحددة، حتى يعرف الأفراد ما هو المحظور قانونًا، وحتى لا يتحول الغموض إلى توسع في التجريم.
لذلك، في أي قضية متعلقة بهذه المادة، يجب فحص الواقعة بدقة: هل هناك انتهاك حقيقي للخصوصية؟ هل توجد بيانات أو صور أو معلومات لشخص دون رضاه؟ هل يوجد ضرر محدد؟ أم أن الاتهام مبني فقط على تقييم عام للمحتوى المنشور؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تحدد اتجاه الدفاع القانوني الصحيح.
هل تواجه موقفًا مشابهًا؟
تواصل معنا لتقييم حالتك قانونيًا والحصول على الإجراء الصحيح من البداية.
